الشيخ محمد تقي فلسفي ( مترجم : الميلاني )

255

الطفل بين الوراثة والتربية

صبي صغير السن لم يمض على دخوله المدرسة أكثر من عدة أشهر وقد تعلم بعض الدروس من كتاب الصف الأول . والآن قد كتب صفحة كاملة لأول مرة ، وأظهر نتائج جهوده على صفحة من القرطاس . إن هذه الكتابة تعتبر الإنتصار العلمي العظيم لهذا الصبي . . . فهي خلاصة الأتعاب التي بذلت معه طيلة عدة أشهر ، وهي - بعدُ - مرآة تعكس شخصيته يثبت عينيه نحو باب الدار ويعدّ الدقيقة بعد الأخرى لقدوم والده وإراءة هذا الأثر اللامع له . . . إنه يأمل في التشجيع والاستحسان من أبيه ، وهذه الساعة هي أسعد ساعات حياته . يدخل الأب إلى البيت ، فيركض الصبي لكي يريه ما كتبه ثم يظل ينظر إلى أبيه بعينين نافذتين . إن الأب العاقل الأب العاقل الأب الواعي . . يقرأ كتابة الصبي بإمعان ، نافذتين . إن الأب العاقل الأب الواعي . . يقرأ كتابة الصبي بإمعان ، فيبتسم . . . ثم يحمله بين ذراعيه ، ويعامله باللطف والمحبة ويكرر الاستحسان والثناء عليه وبهذا يكافئه بأحسن صورة . إن سلوك الأب يمنح الصبي روحا طرية ، فيزداد نشاطه وجدّه ، ويستمر في التقدم العلمي بكل شوق ورغبة . أما الأب الجاهل ، الأب المهمل . . . فإنه يفاجئ الصبي بعكس ما كان يتوقع . لا يقرأ كتابته ، وإذا قرأها فلا يستحسن ولا يثني عليه . وأشدّ من ذلك أن بعض الآباء يجبرون الاخفاق والفشل الذي يلاقونه خارج المنزل بالشدة والخشونة مع الزوجة والأطفال فيرزمون بالصبي الذي كله أمل ورجاء ، وبهذا يقتلون روح التقدم فيه ، ويحطمون شخصيته ، ويطفئون سراج أمله واطمئنانه . يبتعد الطفل عن أبيه بروح منكسرة ، وقلب متحطم ، وينام ليلته مع خاطرة مرة . قد لا يتنبه الأب إلى سلوكه الأهوج أبداً ، ولكن الطفل لا ينسى هذا الموقف المؤلم . إن القسم الأكبر من مآسي الأفراد وتعاستهم ينبع من خاطرة مرة ، أو نقطة طفيفة . . . ثم تتسع حتى تعود عليه بالدمار والانهيار . إن الأطفال الذين لا يلاقون تشجيعاً واستحساناً على أفعالهم الطيبة التي